المسؤوليّة القانونيّة للمنصّات الرقميّة عن إدمان الأطفال وإساءة استخدام الخوارزميات

ملخّص البحث: تتناول هذه الدراسة حكمَ هيئة المحلّفين الأمريكيّة الصادر في مارس 2026 في قضيّة K.G.M. ضدّ Meta و Google، القاضي بتعويض إجمالي قدره ستة ملايين دولار بسبب التصميم الإدماني للمنصّات الرقميّة وأضراره على القاصرين. وتستعرض وقائع القضيّة وأدلّتها الداخليّة الكاشفة، ثم تحلّلها في ضوء ثلاثة أُطر: أولاً الإطار القانوني الدولي بما يشمل اتفاقيّة الأمم المتّحدة لحقوق الطفل ومبادئ OECD والتشريع الأوروبي، وثانياً القانون اللبناني بنصوصه التشريعيّة وفراغاته، وثالثاً الجدل القائم بين المنطق التجاري للمنصّات ومنطق حماية الأفراد والمجتمع. كما تعنى الدراسة بتعريف مفهومَي المسؤوليّة الأبويّة وعناية الأب الصالح في القانون المدني اللبناني، وإمكانية الاعتماد عليهما لاقرار مسؤوليّة الأهل.

أبريل 8, 2026 - 02:00
أبريل 10, 2026 - 00:20
 0
المسؤوليّة القانونيّة للمنصّات الرقميّة عن إدمان الأطفال وإساءة استخدام الخوارزميات
أ.د. منى الأشقر جبور

المسؤوليّة القانونيّة للمنصّات الرقميّة

عن إدمان الأطفال وإساءة استخدام الخوارزميات

دراسة قانونيّة مقارنة على ضوء قضيّة K.G.M. ضدّ Meta وGoogle

بين منطق حماية الأفراد وأخلاقيّات الخوارزميات

في ضوء القانون الدولي والقانون اللبناني

أوّلاً: مقدّمة، الثّورة الرقميّة وإشكاليّة المُساءلة

شهد العقد الثاني من الألفيّة الثالثة تحوّلاً جذرياً في طبيعة علاقة الأطفال والمراهقين بالفضاء الرقمي؛ إذ لم تعد المنصّات الاجتماعيّة مجرّد أدوات للتواصل، بل باتت بيئات هندسيّة مُصمَّمة علميّاً لاستقطاب الانتباه وإطالة مدّة الاستخدام. وفي هذا السياق، صدر في مارس 2026 حكم تاريخي عن هيئة محلّفين أمريكيّة في قضيّة K.G.M. ضدّ Meta وGoogle  يعدّ الأول من نوعه في التحقّق القضائي من نظريّة "التصميم الإدماني" بوصفها أساساً للمسؤوليّة المدنيّة.

بنتيجة هذه القضيّة، أُلزمت شركة Meta بتحمّل 70% من المسؤوليّة، وGoogle بـ 30% [1]، ممّا أثار تساؤلات جوهريّة حول مدى إمكانيّة السير بدعاوى مماثلة في أنظمة قانونيّة أخرى ولا سيّما لبنان، وحول الحدود الفاصلة بين مسؤوليّة المنصات ومسؤوليّة الأهل في حماية أبنائهم.

سنسعى من خلال هذه الدراسة، إلى معالجة هذه التساؤلات من خلال منهج تحليلي مقارن يستند إلى نصوص القانون الوضعي وأحكام القانون الدولي، والاجتهاد، مع إبراز التوتّر القائم بين المنطق التجاري الذي يبرّر آليات المنصّات ومنطق حماية الأفراد الذي يستوجب تنظيمها.

ثانياً: وقائع القضيّة وأهمّيتها القانونيّة

تتعلّق القضيّة بشابة تبلغ من العمر 20 عاما، وتُعرف في المحكمة باسمها الأوّل كالي. صرّحت بأنّها أدمنت تطبيق يوتيوب التابع لشركة جوجل وتطبيق إنستغرام التابع لشركة ميتا في سنّ مبكرة بسبب تصميمهما الجذاب، مع التركيز على خاصيّة التمرير اللانهائي، التوصيات الخوارزمية، وتشغيل الفيديو التلقائي، التي تشجّع المستخدمين على الاستمرار في تصفّح المنشورات الجديدة.

أفادت المُدّعية بأنّها بدأت استخدام YouTube في سنّ السادسة وInstagram  في التاسعة، وبحلول نهاية المرحلة الابتدائية كانت قد نشرت 284 مقطعاً مصوراً. وأدلت أمام هيئة المحلّفين بأنّها قطعت صلاتها بأسرتها نظراً لانشغالها الكامل بالمنصّات. وتشير المعلومات الطبيّة إلى أنّها بدأت تعاني من القلق والاكتئاب في سنّ العاشرة، قبل أن يصدر بحقّها تشخيص رسمي بهما لاحقاً، فضلاً عن اضطراب تشوّه صورة الجسم، وإيذاء النفس.

الاستراتيجيّة القانونيّة: التصميم لا المحتوى

تمحورت حجّة الادعاء حول عيوب التصميم في التطبيقات لا المحتوى المنشور عليها، وذلك في ما يبدو عمليّة التفاف على الحماية التي توفرها المادة 230 من قانون الاتصالات الأمريكي[2]، التي تعفي شركات الإنترنت من المسؤوليّة عن محتوى المستخدمين. وتبرز هذه الاستراتيجية، إمكانيّة اعتبار الخوارزمية نفسها منتجً معيوباً يرتّب المسؤوليّة.

وعرض فريق الجهة المدعيّة وثائق داخليّة من  ميتا META، تكشف عن معرفة مسبقة بالأضرار، حيث تضمّنت إحدى المذكرات عبارة تشير صراحة، إلى ضرورة استقطاب الأطفال في عمر مبكر لضمان السيطرة على سوق المراهقين. كذلك، أظهرت مذكّرة أخرى أنّ الأطفال في سنّ الحادية عشرة كانوا يعودون إلى Instagram بمعد|ّل أربعة أضعاف مقارنة بالمنصّات المنافسة، رغم أنّ الحدّ الأدنى للاستخدام المقرّر قانوناً هو ثلاثة عشر عاماً[3].

وقد خلصت هيئة المحلّفين إلى أنّ Meta وGoogle، كانتا مهملتين في تصميم منصّتيهما وعلمتا بخطورة هذا التصميم وأخفقتا في التحذير من مخاطره، وقضت بتعويضات تعويضيّة قدرها ثلاثة ملايين دولار[4]. ثم أصدرت لاحقا قرارً بتعويضات ذات طابع عقابي بلغت  2.1 مليون لـ Meta،  و900 ألف لـ Google،  ليبلغ المجموع ستة ملايين دولار[5].

الإطار القانوني الدولي

 تعدّ اتفاقيّة حقوق الطفل تاريخ 1989 [6]،  الرّكيزة الدوليّة الأساسيّة في هذا السياق، حيث تنصّ المادة الثالثة منها، على مبدأ مصلحة الطفل الفضلى بوصفها معياراً حاكماً في كلّ القرارات المتعلّقة بالأطفال، فيما تلزم المادّة السابعة عشرة، الدول بحماية الطفل من المواد الضارة عبر وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. وقد ثبت من خلال وثائق Meta الداخلية، أنّ المنصّة استهدفت عمدً قاصرين دون السن القانوني، ممّا يشكّل انتهاكًا صريحًا لهذه الالتزامات الدوليّة.

ويكتسب هذا الإطار أهميّة خاصّة بالنسبة للبنان، كونه دولة طرف في الاتفاقية منذ عام 1991، ما يلزمه بضمان مواءمة تشريعاته الوطنيّة مع أحكامها.

على المستوى الأوروبي، يمثّل قانون الخدمات الرقميّة الأوروبي[7]، الصادر عام 2022، النموذج التشريعي الأكثر تقدّمًا في مجال تنظيم خوارزميات المنصّات، إذ يلزم الكبرى منها أي تلك التي تملك 45 مليون مستخدم أوروبي فأكثر، بتقييم المخاطر النظاميّة لخوارزمياتها دوريّاً، وحظر استخدام خوارزميات التوصية المصمّمة لزيادة الإدمان لدى القاصرين، والشفافية في آليات عمل الخوارزميات، وتمكين الجهات التنظيميّة من التدقيق في أنظمة التوصية. ويشكّل هذا القانون مرجعيّة هامّة وأساسيّة ينبغي أن تستلهم منها التشريعات الأخرى مقارباتها التنظيميّة.

على مستوى متّصل، تؤكّد مبادئ منظّمة التعاون الإقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي الصادرة عام 2019 [8]، ضرورة أن تكون الأنظمة الخوارزمية قابلة للمُساءلة، وخاضعة للرقابة، وألا تلحق أذى بالأفراد. وهكذا، يبدو هذا الحكم منسجما مع هذه المبادئ، من حيث تكريسه مبدأ المساءلة الخوارزمية، وهو المبدأ القائل بأنّ من يصنع خوارزمية مضرّة يتحمّل المسؤولية القانونية عن أضرارها بصرف النظر عن الوسيط الذي ينفذها.

القانون اللبناني: الإطار الحالي والفراغات التشريعيّة

يعاني لبنان من فراغ تشريعي حادّ في مجال تنظيم المنصات الرقمية،  إذ لا يوجد حتى اليوم قانون فاعل لحماية البيانات الشخصية، لان القانون المعمول به، أي 81/2018، لاسباب عديدة ليس اقلها انه لم يلحظ انشاء هيئة وطنية لحماية البيانات،  ولا إطار تنظيمي لخوارزميات المنصات، ولا آلية للتقاضي الجماعي، ولا اتفاقيات تنفيذ أحكام مع الولايات المتحدة، تسمح له عند الحاجة بالزام  Meta أو Google بالامتثال للأحكام اللبنانية.

ولكن، يمكن الاعتماد على بعض القوانين التقليدية لاعلان مسؤولية المنصات، سواء بسبب التقصير، أو الخطأ الفادح او الإهمال، للتعويض عن الاضرار التي يمكن ان تلحق بالقاصرين.

في هذا السياق، تشكل المواد 122 وما يليها من قانون الموجبات والعقود اللبناني[9]، الأساس القانوني الأول الممكن الاستناد إليه. وتقوم المسؤولية التقصيرية على ثلاثة أركان، هي الخطأ والضرر والعلاقة السببية. وتصميم منصة بخوارزميات تستهدف إدمان القاصرين يشكل ، على ضوء ما كشفته وثائق Meta ،خطأ جسيماً بحسب القانون والاجتهاد اللبناني،  أي انه الخطأ الفادح أو الإهمال المفرط غير المغتفر، الذي يتجاوز حدود الخطأ العادي، ويقارب الغش في سوء نيته. ويمكن القول انه فعل أو امتناع عن فعل، يخل بالالتزامات المهنية أو التعاقدية بشكل يجعل استمرار العلاقة مستحيلا، ويلحق ضررا كبيرا [10]. كذلك، يمكن اعتبار إخفاء المنصات لأبحاثها الداخلية المتعلقة بمخاطر الإدمان، انتهاكا صريحا يرتب المسؤولية المدنية، بناء على مبدأ التزام الشركات والموردين بالإفصاح عن المخاطر الجوهرية لمنتجاتهم وخدماتهم، بحسب  قانون حماية المستهلك اللبناني، 659/2005.

كما يمكن توسيع نطاق القانون 422/2002 ، الخاص بحماية الأحداث، والذي يلزم  بحماية القاصرين من المحتوى والبيئات الضارة، ليشمل البيئات الرقمية المصممة لتوليد الإدمان.

تقاطع المسؤوليات في الفضاء السيبراني: نحو مفهوم جديد لمنطق الحماية

يواجه المفهوم التقليدي للمسؤولية المدنية تحديا غير مسبوق في العصر الرقمي، حيث تتقاطع مسؤولية المنصات التكنولوجية الكبرى مع الواجبات التربوية والرقابية للأهل تجاه القاصرين. وبينما يتمسك منطق الحق في الابتكار بحرية المنصات في تطوير أدوات تقنية وخوارزميات معقدة لجذب المستخدمين وزيادة التفاعل، يبرز في المقابل منطق الحماية كضرورة حتمية لصون الصحة النفسية والسيادة الذهنية للناشئة.

إنّ إشكالية النزاع القانوني اليوم، كما تجسّدت في سوابق قضائيّة دوليّة حديثة مثل القضيّة التي استعرضناها، لم تعد تنحصر في الرقابة على المحتوى، بل امتدّت لتطال هندسة الإدمان كعيب صناعي. وهنا يطرح التساؤل القانوني نفسه: هل يمكن استمرار تحميل الأهل تبعات معيار عناية الأب الصالح، في ظلّ بيئة رقميّة تعمد إلى تهميش الإرادة الواعية للقاصر عبر تقنيات التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي؟

سنحاول تفكيك هذا التشابك، عبر الموازنة بين ضرورة الابتكار التقني كمحرّك للاقتصاد الرقمي، وبين الموجبات القانونيّة الملقاة على عاتق الشركات لحماية الفئات الهشّة، باعتبار أنّ حماية القاصرين ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي التزام قانوني يقع في قلب النظام العام الرقمي، ويتجاوز قدرة الأهل على الرقابة المنفردة في ظل غياب أطر تشريعيّة وتقنيّة ملزمة.

مسؤوليّة الاهل

يستوجب الخوض في مسألة المسؤولية الأبوية في السياق الرقمي، الإحاطةَ أولا بالإطار المفاهيمي، الذي يحدد نطاق هذه المسؤولية في القانون المدني اللبناني، وذلك من خلال مفهومين أساسيين متلازمين.

مفهوم عناية الأب الصالح (Bonus Pater Familias)

مفهوم لاتيني الأصل يجد جذوره في الفقه الروماني، ويعني حرفيّاً "ربّ الأسرة الصالح". ويقصد به في القانون المدني اللبناني، المعيار الموضوعي للسلوك المعقول، الذي يفترض في الشخص الذي يتمتّع بالحرص الواجب والتبصّر المعتاد. وقد اعتمدته المادة 123 من قانون الموجبات والعقود معيارً للتقييم، حيث يتمّ قياس السلوك المطعون فيه، بما كان سيفعله شخص عاقل حريص يجد نفسه في الظروف نفسها. ويطبق هذا المعيار، في سياق الرّقابة الرقميّة للحكم على ما إذا كان إشراف الأهل على استخدام أبنائهم القاصرين للمنصّات يرقى إلى مستوى الحرص المطلوب.

مفهوم المسؤوليّة الأبويّة (Responsabilité Parentale)

ترسي المادة 168، من قانون الموجبات والعقود مسؤوليّة الوالدين عن الأضرار التي يلحقها أبناؤهم القاصرون بالغير، وذلك على أساس افتراض الرقابة المعيبة أو الإهمال في التربية. غير أن هذه المسؤوليّة تقوم في الاتجاه التقليدي، حيث الأهل مسؤولون عن أفعال الطفل تجاه الغير، لا في الاتجاه المعكوس ، أي حماية الطفل من تصرّفات الغير. ويتفاوت نطاق هذه المسؤوليّة تبعاً لسنّ الطفل ودرجة الأهليّة ومدى قدرة الأهل الفعليّة على الرقابة.

وهنا لا بد من التوقّف عند مسؤوليّة الاهل، لاعتبارات عديدة، منها أنّهم من يعطون الطفل الجهاز الرقمي، ويمنحونه إمكانيّة الوصول إلى الإنترنت.، ويوقّعون أحيانا عن الطفل على شروط الاستخدام، ويقرّرون استخدام  أدوات الرقابة الأبويّة المتاحة تقنيّاً، والتي تكون مجانيّة في معظم الأحيان.، الى جانب إلزام القانون لهم، بالإشراف على أبنائهم القاصرين بما يستلزمه مبدأ عناية الأب الصالح.

غير ان تطبيق معيار عناية الأب الصالح يستلزم التحقق ممّا إذا كانت المعلومات المتعلّقة بمخاطر الإدمان الخوارزمي متاحة للعموم، في الوقت الذي أتاح فيه الأهل استخدام المنصّة لأبنائهم. والثابت أنّ المنصّات كانت تخفي أبحاثها الداخليّة، بينما تروّج لمنتجاتها على أنّها آمنة. وهذا الأمر يقطع العلاقة السّببيّة بين سلوك الأهل والضرر الحاصل، بما يمنع تحميلهم المسؤولية[11].

فمسؤوليّة الأهل تربويّة وأخلاقيّة لا قانونيّة مستقلّة، إلا في حالات الإهمال الواضح. أمّا مسؤوليّة المنصّات فهي مسؤوليّة قانونيّة جوهريّة لأنّها تقوم على التصميم المتعمّد الهادف إلى توليد الإدمان وإخفاء المخاطر المعروفة. ويرتّب هذا الأمر تراتبيّة واضحة في المسؤوليّة: المنصّات مسؤولة بالدرجة الأولى، والأهل مكلّفون بواجب الرقابة الممكنة المعقولة، لا بالتحقّق من مخاطر يخفيها المنتج عمدا.

المنطق التجاري في مواجهة منطق الحماية

دافعت Meta عن موقفها بأنّ صحة المراهقين النفسيّة بالغة التعقيد ولا يمكن ربطها بتطبيق واحد[12]. ولهذه الحجّة نصيب من الصحّة ولكن جزئيّاً، فوسائل التواصل الاجتماعي تلبّي حاجات اجتماعيّة حقيقيّة، كالتواصل والتعبير والانتماء. كما أنّ الابتكار التكنولوجي يفيد المجتمع بشكل عام، وتحوّل النماذج نحو تفاعل أقل إدمانً سيلحق أضراراً بالأرباح المرتبطة مباشرة بالوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصة.

غير أنّ الوقائع كشفت عن أمر جوهري يختلف اختلافاً نوعيَاً عن الممارسة التجاريّة المعتادة،  فإخفاء المنصّات لأبحاثها الخاصّة، التي تظهر ضررا للأطفال، واستخدامها القاصرين كـ"حقل تجارب" غير معلن في تجارب مربحة تجارياً، ليس مجرد سعي مشروع للربح، بل هو خداع ممنهج وتلاعب متعمّد بالفئات الأكثر هشاشة.

وهنا يتجلّى الفارق الجوهري الذي يحكم المعادلة القانونيّة برمّتها، فثمّة فرق نوعي بين خوارزمية توصي بمحتوى يعجب المستخدم لتحسين تجربته، وهي مشروعة، وخوارزمية مصمّمة علميا لاستغلال نقاط الضعف النفسيّة، وتوليد الإدمان بمعزل عن مصلحة المستخدم، وهي غير مشروعة.

نحو أخلاقيات استخدام الخوارزميات

تتمحور الدعوة الجوهرية في هذا السياق حول فرض أخلاقيّات استخدام الخوارزميات كالتزامات قانونيّة نافذة لا كمبادئ إرشاديّة اختياريّة. ويعني ذلك عملياً، أوّلا: الالتزام بالشفافية الخوارزمية، أي إلزام المنصات بالإفصاح عن آليات عمل خوارزميات التوصية وأهدافها الحقيقيّة للجهات التنظيميّة، وثانياً: اعتماد  التصميم المسؤول، أي حظر تصميم الخوارزميات لتحدث إدمانا،  كتلك الخاصّة بالتمرير اللانهائي، ونظام المكافآت المتغيّرة لدى القاصرين، وثالثاً: اعتماد مقاربة  الحماية الاستباقيّة، أي تكييف المنصّات لمنع إلحاق الضرر بالقاصرين ، لا انتظار وقوع الضرر لأخذ إجراءات، ورابعاً: المُساءلة المقرونة بالإيرادات، أي ربط  الإيرادات الإعلانيّة بمعايير سلامة قابلة للتدقيق.

إمكانية التقاضي في لبنان: تحليل نقدي

المنصّات التي يستخدمها المراهقون اللبنانيون، في غالبيّتها شركات أجنبيّة لا مقرّ قانوني لها في لبنان. وإذا كان من الممكن ملاحقتها نظريّاً، أمام المحاكم اللبنانية استناداً إلى مبدأ "أثر الضرر على الأراضي اللبنانية"، يبقى تنفيذ الأحكام العقبة العمليّة الأكبر نظراً لغياب اتفاقيّات تنفيذ أحكام بين لبنان والولايات المتحدة.

يضاف الى ذلك، صعوبة إثبات أنّ خوارزمية بعينها هي السبب المباشر لاضطراب نفسي محدّد، اذ يتطلب ذلك، خبرة تقنيّة متخصّصة في علم الخوارزميات، وخبرة نفسيّة-طبيّة رسميّة معترف بها، ووثائق داخليّة من الشركة تستخدم في الاثبات. وهذا ما سمح به اجراء قضائي أميركي يعرف ب discovery.

 ففي القضية التي نناقشها، استندت قوّة الإثبات الحاسمة، إلى آلية إجرائية جوهريّة في النظام القانوني الأنجلوسكسوني، تعرف بالاكتشاف القضائي، ويقصد بهذا الإجراء، حقّ الخصوم في إلزام الطرف الآخر، تحت طائلة المسؤوليّة الجُرمية، بالكشف عن كافة المستندات، والبيانات، والمراسلات الداخليّة، وشيفرات المصدر، ذات الصلة بالنزاع، قبل انعقاد جلسات المحاكمة.

وقد شكّل هذا الإجراء الوسيلة التي سمحت للمدّعين، بالنفاد إلى الصندوق الأسود لشركتي Meta وGoogle، واستخراج وثائق داخليّة سريّة ، مثل  Project Breakeven، أثبتت علم الشركات المسبق بالأضرار النفسيّة للخوارزميات، وتعمّدها استهداف القاصرين؛ وهي أدلّة يحيطها كتمان تقني يصعب اختراقه في الأنظمة ذات الطابع المدني، كالنظام اللبناني. فبينما يرتكز الإثبات في لبنان، على مبدأ البيّنة على مَن ادعى، وضيق نطاق إلزام الخصم بتقديم المستندات (المادة 203 أ.م.م.)، يبرز الاكتشاف القضائي، كأداة لتحقيق التوازن المعرفي بين المستهلك الرقمي الأعزل، وبين الشركات العابرة للقارّات، مما يضع المشرّع اللبناني أمام حتميّة ابتكار آليات تفتيش تقني تمنح القضاء سلطة الولوج إلى الحقائق الرقميّة المستترة خلف جدران الخصوصيّة التجاريّة.

يضاف الى ذلك، غياب قانون فاعل لحماية البيانات الشخصيّة في لبنان، ما يمنع الادعاء استنادا إلى الاستخدام غير المشروع للبيانات في بناء ملفّات المستخدمين الخوارزمية. لكن هذه العقبات لا تعني استحالة التقاضي. اذ يمكن نظريّاً، لأي قاض لبناني قبول مثل هذه الدعوى، مستنداً إلى أحكام المسؤوليّة التقصيريّة العامّة وقانون حماية المستهلك. غير أنّ النجاح الفعلي يستلزم في المرحلة الراهنة دمج المسار القضائي بمسار تشريعي متواز يرسي الأطر القانونيّة اللازمة.

الخاتمة

يشكّل الحكم في قضية K.G.M.، منعطفاً في مسيرة الحوكمة الرقميّة العالميّة، لا بد ان يضع الأنظمة القانونيّة التي لم تُحدّث تشريعاتها الرقميّة، حتى اليوم، ومنها لبنان أمام تحدّ وجودي. فالنظام القانوني اللبناني يملك أُسساً نظرية للتعامل مع الدعاوى المشابهة، لكنه يفتقر إلى الأدوات الإجرائيّة والتشريعيّة الكافية.

إنّ ما تطلبه حماية الأفراد والمجتمع ليس إلغاء هذه المنصّات، بل إلزامها بالابتكار المسؤول الذي يضع الكرامة الإنسانيّة قبل مؤشّرات الجذب والربح والمنافسة. فالمنطق التجاري للمنصّات مشروع في حدود الممارسات المشروعة، ولكنه يفقد مشروعيّته، حين يتحوّل إلى استغلال الأطفال واستهدافهم بأدوات إدمان مصمّمة لهذه الغاية.

أ. د. منى الأشقر جبّور

متخصّصة في القانون الخاص؛ أستاذة حقوق في الجامعة اللبنانيّة؛ مستشارة قانونيّة؛ مديرة مُشاركة لمركز الجرائم الالكترونيّة الذي أنشأته الجمعيّة اللبنانية لتكنولوجيا المعلومات - منظّمة غير حكوميّة (LITA) ؛ رئيسة (LITA) ؛ عضو دائم في لجنة "أمن البيانات" في الاتحاد العالمي للعلماء في جنيف.

 


[2] 47 U.S.C. § 230 ،Communications Decency Act, Section 230 (c) (1): "No provider or user of an interactive computer service shall be treated as the publisher or speaker of any information provided by another information content provider." 

[3] Social Media Addiction Lawsuits (2026): KGM Trial, MDL 3047, and TikTok & Snapchat Settlements Explained

https://www.spencer-law.com/post/social-media-addiction-lawsuits-2026-kgm-trial-mdl-3047

[4] Meta and YouTube negligent in landmark LA social media safety trial

https://www.nbclosangeles.com/news/local/verdict-la-social-media-addiction-trial/3861059/

[6] اتفاقية حقوق الطفل 20  تشرين الثاني/نوفمبر 1989

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/convention-rights-child

[7] Regulation (EU) 2022/2065 of the European Parliament and of the Council of 19 October 2022 on a Single Market For Digital Services and amending Directive 2000/31/EC (Digital Services Act) (Text with EEA relevance)

https://eur-lex.europa.eu/eli/reg/2022/2065/oj/eng  

[9] قانون الموجبات والعقود اللبناني

http://77.42.251.205/LawArticles.aspx?LawArticleID=971518&LawId=244226

[11] Cass. Civ. 1ère, 9 juin 2017, n°16-13.986 (France)

Affirmant le principe que la victime d'une information dissimulée ne peut être tenue responsable de ne pas avoir pris les précautions contre un risque qu'elle ignorait.

https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000034908617

[12] Jury finds Meta and Google negligent in social media harms trial

Throughout the case, the companies insisted that there is no scientific proof that social media causes mental health issues, suggesting that they are being used as a scapegoat for the multi-faceted emotional issues children face that can have many root causes.

https://www.npr.org/2026/03/25/nx-s1-5746125/meta-youtube-social-media-trial-verdict

 

 

ما هي ردة فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0